في العاشر من فبراير من كل عام، يحتفي العالم بـ اليوم العالمي للبقول، مناسبة قد تبدو عابرة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها رسالة عميقة تتجاوز حدود الزراعة والغذاء إلى صميم قضايا التنمية والاستدامة والأمن الإنساني (1). فالبقول، تلك الحبوب الصغيرة التي رافقت الإنسان منذ آلاف السنين، تعود اليوم إلى الواجهة بوصفها أحد مفاتيح المستقبل في عالم يزداد سكانه وتتراجع موارده الطبيعية.
في زمن تتعاظم فيه التحديات المرتبطة بتغير المناخ، وندرة المياه، وارتفاع كلفة الغذاء، لم تعد البقول مجرد محصول تقليدي أو عنصر غذائي مكمل، بل أصبحت رمزًا لنهج زراعي أكثر ذكاءً وقدرة على التكيف. فهي محاصيل تجمع بين القيمة الغذائية العالية والبصمة البيئية المنخفضة، وتقدم نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للزراعة أن تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة (2).
يكمن تفرّد البقول في أدوارها المتعددة. فهي مصدر غني بالبروتين النباتي والألياف والعناصر الغذائية الأساسية، وفي الوقت نفسه تسهم في تحسين خصوبة التربة من خلال تثبيت النيتروجين، وتقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية، وتحد من الانبعاثات المرتبطة بالإنتاج الزراعي المكثف (2،3). ولهذا السبب، باتت البقول عنصرًا محوريًا في النقاش العالمي حول الزراعة المستدامة والنظم الغذائية المرنة.
هذا البعد العالمي يجد صداه في المملكة العربية السعودية، حيث يتقاطع اليوم العالمي للبقول مع توجه وطني متنامٍ لإعادة صياغة العلاقة مع الزراعة، ليس من منطلق الاكتفاء الكمي فقط، بل من زاوية الكفاءة والاستدامة وجودة الإنتاج، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. ففي بيئة طبيعية تواجه الشحّ المائي وارتفاع درجات الحرارة، يصبح اختيار المحاصيل القادرة على تحقيق أعلى قيمة بأقل استهلاك للموارد قرارًا استراتيجيًا، لا خيارًا تقنيًا.
وتبرز البقول في هذا السياق كأحد المحاصيل التي يمكن توظيفها بذكاء ضمن أنظمة زراعية متطورة، سواء عبر الزراعة المحمية، أو الزراعة التعاقدية، أو إدماجها في دورات زراعية تسهم في تحسين التربة ورفع إنتاجية المحاصيل الأخرى. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن البقول تُعد من أكثر المحاصيل كفاءة في استخدام المياه مقارنة بالعديد من المصادر البروتينية الأخرى، وهو ما يمنحها أهمية خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة (3).
لكن أهمية البقول لا تتوقف عند حدود الحقل الزراعي. فهي تلعب دورًا متزايدًا في التحول نحو أنماط غذائية أكثر صحة واستدامة. وقد أكدت الأمم المتحدة أن تعزيز إنتاج واستهلاك البقول يسهم في مكافحة سوء التغذية، وتحسين صحة المجتمعات، ودعم تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الجوع (1،4). ومن هنا، تتحول البقول إلى حلقة وصل بين الزراعة والصحة والبيئة والاقتصاد.
ورغم وضوح هذه الأهمية، يبقى التحدي الحقيقي في كيفية إدارة هذا المورد الزراعي ضمن منظومة متكاملة. فزراعة البقول بمعزل عن التخطيط، أو دون ربطها بسلاسل القيمة والتصنيع الغذائي والتسويق والتخزين، قد تفقدها كثيرًا من أثرها الاقتصادي والتنموي. النجاح هنا لا يتحقق بالمحصول وحده، بل بالإدارة التي تحيط به.
في هذا السياق، يبرز الدور الحيوي للشركات الاستشارية والتنفيذية المتخصصة، التي تشكل حلقة الوصل بين السياسات الزراعية والطموحات الوطنية من جهة، والتنفيذ العملي على الأرض من جهة أخرى. فهذه الشركات تسهم في إعداد الاستراتيجيات الزراعية، وتحديد المواقع والمحاصيل المناسبة، وتقييم الجدوى الاقتصادية، وتصميم نماذج التشغيل المستدامة، وبناء مؤشرات الأداء التي تضمن قياس الأثر الحقيقي للمبادرات الزراعية (3،5).
كما تمتد أدوارها إلى دعم الجهات المعنية في تطوير سلاسل القيمة للبقول، من الإنتاج الأولي إلى التصنيع الغذائي، مرورًا بإدارة سلاسل الإمداد وتقليل الفاقد، وربط المنتج المحلي بالأسواق. وتسهم هذه الجهود في تحويل البقول من نشاط زراعي محدود العائد إلى قطاع ذي قيمة مضافة، قادر على خلق فرص اقتصادية ودعم الأمن الغذائي الوطني.
ولا يقل أهمية عن ذلك دور الاستشارات في بناء القدرات المؤسسية والبشرية. فاستدامة أي تحول زراعي مرهونة بوجود كوادر قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وبأنظمة إدارية واضحة تضمن الاستمرارية وعدم الارتهان لدورات دعم قصيرة الأجل. وهنا، تصبح الإدارة الرشيدة عنصرًا مكملًا للتقنية الزراعية، لا يقل عنها أهمية.
إن اليوم العالمي للبقول يذكّرنا بأن الحلول الكبيرة قد تبدأ بمحاصيل صغيرة، وأن الاستثمار الحقيقي لا يكون دائمًا في الأكثر تعقيدًا، بل في الأكثر ذكاءً وملاءمة للبيئة والموارد. وفي المملكة العربية السعودية، حيث تتلاقى الطموحات التنموية مع الحاجة إلى نظم غذائية أكثر كفاءة واستدامة، تمثل البقول فرصة حقيقية لإعادة بناء نموذج زراعي متوازن، يربط بين الإنتاج، والإدارة، والقيمة المضافة.
وكما هو الحال في الطاقة والمياه، فإن مستقبل الزراعة لا يُصنع بالأنشطة الزراعية وحدها، بل بالعقول التي تخطط، والأنظمة التي تحكم، والقرارات التي تنظر إلى المدى البعيد. هنا، يتحول اليوم العالمي للبقول من مجرد مناسبة دولية إلى دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في الزراعة بوصفها استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الإنسان والأرض
مصادر ذات صـــلة:
- United Nations. World Pulses Day.
https://www.un.org/en/observances/world-pulses-day - Pulses and Sustainable Agriculture.
https://www.fao.org/pulses-2016/news/news-detail/en/c/414167/ - Pulses: Nutritious seeds for a sustainable future.
https://www.fao.org/pulses/en/ - United Nations. Sustainable Development Goal 2: Zero Hunger.
https://sdgs.un.org/goals/goal2 - Climate-smart agriculture and legumes.
https://www.fao.org/climate-smart-agriculture-sourcebook/en/