Homeالزراعة العضوية: طريقنا نحو غذاء آمن وبيئة مستدامةUncategorizedالزراعة العضوية: طريقنا نحو غذاء آمن وبيئة مستدامة

الزراعة العضوية: طريقنا نحو غذاء آمن وبيئة مستدامة

في نوفمبر من كل عام، وتحديدًا في اليوم الحادي عشر، تحتفل المملكة بـ يوم الغذاء العضوي مناسبة وطنية رسّختها الدولة بقرار مجلس الوزراء رقم 251 لسنة 1444 لتسليط الضوء على مستقبلٍ غذائي أكثر أمانًا واستدامة. وفي سياق هذا الاحتفال، يبدو الحديث عن الزراعة العضوية ضرورة ملحّة، لا سيما مع تنامي الوعي العالمي اتجاه الغذاء النظيف واشتداد التحديات المناخية التي تتطلب نماذج إنتاج أكثر حكمة وكفاءة.

الزراعة العضوية ليست مجرد طريقة لاستخدام سماد طبيعي بديلاً للكيماوي، بل نظام بيئي واقتصادي متكامل، يعيد التوازن إلى التربة، ويُقلّص الانبعاثات، ويرفع جودة الغذاء. وقد عرّفها دليل التحول الى الزراعة العضوية بأنها (ممارسة زراعية تهدف الى انتاج غذاء دون استخدام المواد او الأسمدة او المبيدات الكيميائية والكائنات المعدلة وراثيًا) واهتمت المملكة من خلال دعمها المتزايد للزراعة العضوية بإنشاء نظام إدارة مستدامة يحافظ على أنظمة الطبيعة ودوراتها ويعزز صحة التربة والماء والنباتات والحيوانات، بما يساهم في المحافظة على التنوع الحيوي، والاستخدام الأمثل للطاقة والموارد الطبيعية بهدف انتاج غذاء صحي بجودة عالية يحقق تطلعات المستهلك (1).

الزراعة العضوية عالميًا: قطاع يتوسع… ومستقبل يتشكل

مع أنّ الزراعة العضوية كانت لسنوات طويلة نهجًا بيئيًا بحتًا، فإنّ العقدين الأخيرين كشفا عن كونها فرصة اقتصادية عالمية كبرى؛ فقد تجاوزت مبيعات المنتجات العضوية حاجز 135 مليار دولار في عام 2023، بينما ارتفعت المساحات المزروعة عضويًا إلى أكثر من 98 مليون هكتار، منها 30.2  مليون هكتار من النباتات الطبية والبرية العضوية، وبلغ عدد المنتجين حول العالم 4.2 مليون منتج . بقيمة سوقية تجاوزت 136 مليار يورو، وفق أحدث تقارير FiBL وIFOAM (2) وهذه الأرقام تؤكد على أن الزراعة العضوية أصبحت قطاعاً اقتصادياً متكاملاً وليست مجرد ممارسات زراعية بيئية.

هذا التحول العالمي لم يكن عابرا، بل نتاجاً لوعي متنامٍ لدى المستهلكين بضرورة الحصول على غذاء مأمون وواضح المصدر وخالٍ من الملوثات الكيميائية. وفي هذا السياق، كانت المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التي استوعبت مبكرًا هذا الاتجاه العالمي، فتبنّت سياسات وطنية داعمة، واستثمرت في التحول العضوي، ووضعت برامج تشجيعية للمزارعين، لتصبح جزءًا فاعلًا في مشهد النمو العالمي للزراعة العضوية.

سنوات من التحول: كيف أعادت المملكة رسم خارطة الإنتاج العضوي:

شهد قطاع الزراعة العضوية في المملكة نمواً غير مسبوق خلال السنوات الماضية منذ 2018 بما يعكس حجم الاهتمام الرسمي والمجتمعي بهذا النمط الإنتاجي المستدام. فقد ارتفع عدد الحيازات العضوية بما فيها الحيازات تحت التحول بنسبة 200%، من 175 حيازة عام 2018، إلى 540 حيازة في عام 2023، وهو نمو يعكس توسعًا كبيرًا في قاعدة المنتجين وقدرتهم على الالتزام بالمعايير العضوية.

وفي الفترة ذاتها، ازدادت مساحات الزراعة العضوية بنسبة 25.6%، مما يشير إلى توسع فعلي في المساحات المزروعة وفق الممارسات العضوية. كما شهد الإنتاج قفزة نوعية، إذ ارتفع إجمالي الإنتاج العضوي إلى 95,389 طنًا في 2023، مقارنة بـ 45,630 طنًا عام 2018، وهو نمو وصل إلى 109% خلال خمس سنوات فقط.

وعلى مستوى المناطق، تصدرت منطقة الرياض التوسع في الزراعة دون تربة بنسبة 50%، تلتها القصيم بـ 33%، ثم مكة المكرمة بـ 9%، وحائل بـ 4%، ونجران بـ 2%، والمنطقة الشرقية بـ 1%، ما يبرز خارطة توسع جغرافي متنوعة تعكس اختلاف البيئات الزراعية وملاءمتها للأنماط العضوية والحديثة.

أما من حيث الإنتاج النوعي، فقد سجلت المملكة نتائج مهمة؛ إذ بلغ إجمالي إنتاج الخضراوات العضوية وتحت التحول نحو 6,803 أطنان، بينما وصل إنتاج الفواكه العضوية وتحت التحول إلى 25,889 طنًا. كما بلغ إنتاج النباتات الطبية والعطرية نحو 96.4 طنًا، والحبوب العضوية حوالي 1,300 طن، إضافة إلى 5,000 طن من الأعلاف العضوية وتحت التحول.

وفي قطاع منتجات النحل، بلغ إجمالي خلايا العسل العضوي وتحت التحول 1,517 خلية. كما وصل إنتاج حليب الأبقار العضوي إلى 267 رأسًا، وحليب الماعز العضوي إلى 16,074 رأسًا، مما يعكس اتساع نطاق الإنتاج الحيواني العضوي في المملكة إلى جانب الإنتاج النباتي.

وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن المملكة تمضي بخطوات واسعة لترسيخ قطاع عضوي متطور، قادر على دعم الأمن الغذائي، وتعزيز الاستدامة، ورفع جودة المنتجات الزراعية المحلية وفق أعلى المعايير العالمية (3).

لا يأتي التحول إلى الزراعة العضوية بسهولة؛ فالمُزارع يمر بمرحلة انتقالية قد تمتد إلى ثلاث سنوات قبل الحصول على شهادة الاعتماد وفق اللوائح السعودية، وهي مرحلة تتطلب التزامًا بالتسميد العضوي والدورات الزراعية، والابتعاد عن كافة المدخلات الكيميائية والالتزام بكافة الاشتراطات التي تضمن التحول الى الزراعة العضوية حتى تصبح نتائج هذا التحول ملموسة من حيث التربة الأكثر خصوبة، ومياه أقل تلوثًا، ومنتجات أعلى جودة، وصولاً الى أسعار تسويقية أفضل(1)

القطاع الخاص شريك في الاستدامة… ودور العقول المخططة نموذجاً:

تتميز المملكة العربية السعودية في تنفيذ سياساتها الزراعية بالتكامل بين القطاعين الحكومي والخاص، حيث التشاركية في اسناد المشروعات التنموية الى القطاع الخاص جنباً الى جنب مع الحكومي، بما اسفر عن تحقيق تطور في هذا القطاع، خاصة بتعظيم الاستفادة مما لدى القطاع الخاص من خبرات لا سيما في تخطيط ومتابعة المشروعات،  وهنا يبرز دور بيوت الخبرة الوطنية، ومن بينها شركة العقول المُخِطّطة للاستشارات الإدارية، التي تساهم بما لديها من خبرات في رسم استراتيجيات في عدة مجالات ومنها التحول العضوي، من خلال بناء مؤشرات الأداء، وتحليل سلاسل القيمة، ووضع خطط المتابعة والتقييم، إلى جانب نقل المعرفة وتدريب الكوادر الزراعية على إدارة التحول بفاعلية. إضافة إلى امتلاك الأدوات التحليلية السليمة من تحديد خط الأساس Baseline إلى بناء مؤشرات الأداء KPIs ومتابعة التنفيذ، وتطوير الأدلة التشغيلية ومعايير متابعة المزارع العضوية، مما يعزز من دور المشروعات الزراعية في تحقيق أهدافها، حيث أن التحول العضوي ليس مجرد مبادرات وجهود تنفيذية، بل مسار تنموي طويل الأجل يعتمد على تضافر الجهود في تطبيق نظم الإدارة الحديثة للمشروعات الزراعية والبيئية.

الزراعة العضوية… بوابة المملكة نحو مستقبل غذائي آمن ومستدام:

وبينما يزداد الوعي العالمي والمحلي بأهمية الغذاء النظيف، يتضح أن الزراعة العضوية ليست خيارًا ترفيهيًا أو رفاهية بيئية، بل ضرورة لتأمين مستقبل غذائي آمن خاصة في ظل تحديات المناخ والتصحر والملوثات. ومع تصاعد الدعم الحكومي السعودي وتنامي خبرات المزارعين، أصبح القطاع الزراعي مستعدًا للانتقال من النمو التدريجي إلى قفزة نوعية تعزز مكانة المملكة في سوق الغذاء الصحي العالمي.

إن الاحتفال بيوم الغذاء العضوي هو احتفال برؤية مجتمع يريد أن يعيش بصحة أفضل، وبيئة واقتصاد زراعي أكثر استدامة. والزراعة العضوية هي الطريق الأكثر وضوحًا للوصول إلى هذه الرؤية.

قائمة المراجع

 

  1. دليل التحول إلى الزراعة العضوية – GIZ/وزارة الزراعة السعودية، الصفحات: من 1 إلى 15

  2. FiBL & IFOAM – The World of Organic Agriculture 2024
    https://www.fibl.org/en/publications
  3. SaudiPedia – Organic Agriculture in Saudi Arabia (2023)
    https://saudipedia.com/en/article/3977